تقرير بحث السيد كمال الحيدري لطلال الحسن

54

من الخلق إلى الحق ( رحلات السالك في أسفاره الأربعة )

--> السابق فإنّ العبد نفسه سوف يكون عين الله تعالى وسمعه ولسانه ويده ، وهو الوارد في الحديث القدسي المروي عن الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله : ما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالفرائض حتّى أحبّه ، فإذا أحببته صار سمعي و . . . . ( رياض الصالحين ، للنووي ص 63 ، دار ابن زيدون ، 1997 م ، بيروت ) . وعظمة المقام الثاني هو أن الله تعالى يُبصر ويسمع وينطق ويبطش من خلال هذا العبد الفاني فيه ، فيرضى الله لرضاه ويسخط لسخطه ويغضب لغضبه ، وهذا هو خلاصة مرتبة الفناء الأسمى في الله تعالى . ومن هنا يمكنك أن تفهم بوضوح قول الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله في حقّ الصديقة الكبرى ومَن دارت على معرفتها القُرون الأولى الحديث وهو : إنّ الله عزّ وجلّ ليغضب لغضب فاطمة ، ويرضى لرضاها فرائد السمطين ، لأبي عبد الله الحموي الجويني ، تحقيق الشيخ محمّد باقر المحمودي : ج 2 ص 46 ، مؤسّسة المحمودي ، الطبعة الأولى ، 1398 ه ، بيروت وأروع من سجّل لنا هذا المقام الأرفع هو أمير المؤمنين عليه السلام حيث يقول : أنا علم الله ، وأنا قلب الله ، ولسانه الناطق ، وعين الله ، وجنب الله . . . توحيد الصدوق ، مصدر سابق : ص 164 ومن هنا لَكَ أن تفهم بوضوح قوله تعالى : أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ الله الزمر : 56 . واعلم أنّ العبد على رُقيّه في مقام قرب النوافل إلّا أنّه سوف يبقى على محدوديته ، لأنّ الله تعالى هو عين العبد ، وعين العبد محدودة متناهية ، بخلاف ما هو عليه في قُرب الفرائض فإنّ العبد يصير عين الله تعالى ، وعين الله غير متناهية ، فتدبّر في ذلك وافهم . فإذا عرفت كلّ ذلك فاعلم أنّ هنالك مقاماً آخر يصل إليه العبد وهو الجمع بين مقام النوافل ومقام الفرائض ، فإن جمع بينهما دون أن يكون قادراً على التحكّم فيهما كيفما يشاء فهذا هو المقام الثالث والمسمّى بمقام جمع الجمع ، فهو مقام الجمع بين المقام الأوّل والثاني ، ولكن دون أن تكون له القدرة على التحكمّ فيهما ، وإن أمكنه التحكّم فيهما كيفما شاء ومتى شاء ذلك فهذا هو المقام الرابع والأخير وهو المُسمّى بأحدية الجمع ، والمُسمّى أيضاً بمقام « أو أدنى » . / واعلم أنّ المقام الرابع أحدية الجمع هو خاصّية الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله بالأصالة ، ومقام أهل البيت عليهم السلام بالوراثة ، فليس لأحد دونهم عليه السلام الوصول إلى ذلك ، دون المقامات الثلاثة الأولى فمن الممكن الوصول إليها ، وهي مفتوحة لكلّ إنسان وإلى يوم القيامة . استفدنا هذا التوضيح من دروس في العرفان النظري لسماحة سيّدنا الأستاذ كمال الحيدري ، الدرس السادس 24 رجب 1423 ه ، وقد أخذناه عنه مباشرة في محضر الدرس .